مجموعة مؤلفين

47

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

فها هنا ألفاظ ملغزة ، وعبارات مرموزة ، وأمثال مضروبة ، وكلها قد استمدها ابن عربى تارة من معجم الكون الطبيعي ، وتارة أخرى من معجم العين الإنسانى ، وعبر بها عن تصوره للتدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية ، تعبيرا ينبغي أن ينظر إليه ، على أن المراد به ، والمقصود منه ، إنما هو الإنسان باعتباره عالما أصغر بالقياس إلى العالم الأكبر ، وما يدبر به هذا الإنسان في مملكته الإنسانية ، تدبيرا قوامه معرفة ما في هذا العالم الأصغر ، لا مجرد الوقوف عندما في العالم الأكبر من الظواهر الطبيعية ، والمظاهر الكونية ؛ وهذا يعنى بعبارة أخرى أن غرض ابن عربى من كتابه هذا ، ومن غيره من كتبه الأخرى ، إنما هو سلوك الإنسان في حياته النظرية والروحية والعملية ، سلوكا يصلح به ظاهره وباطنه ، ويغلب فيه عقله على هواه ، ويجنبه مواطن الهلاك بقدر ما تكتب له معه النجاة ، كل ذلك في سياق متسق ، وفي نطاق مؤتلف ، من هذه الأمثال المضروبة ، وتلك الألفاظ الملغزة والعبارات المرموزة ، التي لا تخفى قرائنها ومناسباتها على فهم الفاهم ، بقدر ما تجل عن وهم الواهم ، لا سيما أن كل أولئك إذا فهم بعضه في ضوء بعض ، ونوسب بين بعضه وبين بعض ، وقرن بعضه إلى بعض ، كان فهمه أنصع ، وكانت دلالته أسطع ، وكان الحصول على معانيه ، والكشف عن خوافيه أجدى وأنفع . وكيف لا يكون ذلك كذلك ، وهاهو ذا ابن عربى نفسه قد قدم لنا هنا مفتاح كل ما يعرض في كتبه من مغاليق ، وهو أن ذاته وحياته ونجاته ، وأن نظره وشعوره وسيره ، كل أولئك إنما يؤلف عنده محوره الرئيسي الذي يدور عليه أي كلام له ، في أي كتاب صدر عنه . وهكذا نتبين مع ابن عربى فيما سبق أن الرمز المصطنع هنا على ضربين : رمز إنساني من ناحية ، ورمز كونى من ناحية أخرى ؛ ولكننا إذا أو غلنا معه في ألوان الرمز التي نجدها منبثة هنا وهناك ، في هذا الكتاب أو ذاك ، عرفنا أن الرمز يتلون عنده بتنوع الموضوعات التي تعرض له ويعرض لها ، ويتعدد بتفاوت طبيعة الكائنات التي يعكف عليها ، ويتحدث عنها : فمن